ابن قيم الجوزية
171
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
والذي ساقهم إلى ذلك : سلوك وادي الفناء في الشهود . فلا يشهد مع الحق سببا ، ولا وسيلة ولا رسما البتة . ونحن لا ننكر ذوق هذا المقام ، وأن السالك ينتهي إليه ، ويجد له حلاوة ووجدا ولذة لا يجدها لغيره البتة . وإنما يطالب أربابه والمشمرون إليه بأمر وراءه . وهو أن هذا هو الكمال . وهو أكمل من حال من شهد أفعاله ورآها ، ورأى تفاصيلها مشاهدا لها ، صادرة عنه بمشيئة اللّه وإرادته ومعونته . فشهد عبوديته مع شهود معبوده . ولم يغب في شهود العبودية عن المعبود . ولا بشهود المعبود عن العبودية ، فكلاهما نقص . والكمال : أن نشهد العبودية حاصلة بمنة المعبود وفضله ومشيئته . فيجتمع لك الشهودان . فإن غبت بأحدهما عن الآخر فالمقام مقام توبة . وهل في الغيبة عن العبودية إلا هضم لها ؟ . والواجب : أن يقع التحاكم في ذلك إلى اللّه ورسوله ، وإلى حقائق الإيمان دون الذوق . فإننا لا ننكر ذوق هذه الحال . وإنما ننكر كونها أكمل من غيرها . فأين الإشارة في القرآن ، أو في السنة ، أو في كلام سادات العارفين من الصحابة ومن تبعهم إلى هذا الفناء ، وأنه هو الكمال . وأن رؤية العبد لفعله باللّه وحوله وفضله وشهوده له كذلك : علة تجب التوبة منها ؟ . وهذا القدر مما يصعب إنكاره على القوم جدا . ويرمون منكره بأنه محجوب من أهل الفرق . وأنه لم يصل إلى هذا المقام . ولو وصل إليه لما أنكره . وليس في شيء من ذلك حجة لتصحيح قولهم ، ولا جواب المطالبة . فقد سألك هذا المحجوب عن مسألة شرعية . وما ذكرتموه ليس بجواب لها . ولعمر اللّه إنه يراكم محجوبين عن حال أعظم من هذه الحال ، ومقام أرفع منه . وليس في مجرد الفناء والاستغراق في شهود القيومية ، وإسقاط الأسباب والعلل والحكم والوسائط كثير علم ، ولا معرفة ولا عبودية . وهل المعرفة كل المعرفة ، والعبودية : إلا شهود الأشياء على ما هي عليه ؟ والقرآن كله مملوء من دعاء العباد إلى التفكر في الآيات . والنظر في أحوال المخلوقات . ونظر الإنسان في نفسه وتفاصيل أحواله . وأخص من ذلك : نظره فيما قدّم لغده . ومطالعته لنعم اللّه عليه بالإيمان والتوفيق والهداية . وتذكر ذلك والتفكر فيه ، وحمد اللّه وشكره عليه . وهذا لا يحصل مع الفناء حتى عن رؤية الرؤية ، وشهود الشهود . ثم إن هذا غير ممكن البتة . فإنكم إذا جعلتم رؤيته لتوبته علة يتوب منها ، فإن رؤيته لتلك الرؤية أيضا علة توجب عليه توبة ، وهلم جرّا ، فلا ينتهي الأمر إلا بسقوط التمييز جملة . والسكر والطمس المنافي للعبودية . فضلا عن أن يكون غاية للعبودية . فتأمل الآن تفاصيل عبودية الصلاة ، كيف لا تتم إلا بشهود فعلك الذي متى غبت عنه كان ذلك نقصا في العبودية . فإذا قال المصلي : « وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا » فعبودية هذا القول : أن يشهد وجهه . وهو قصده وإرادته . وأن يشهد حقيقته وهي إقباله على اللّه . ثم إذا قال : « إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي للّه رب العالمين » فعبودية هذا القول : أن يشهد الصلاة والنّسك المضافين إليه للّه ، ولو غاب عنهما كان قد أضاف إلى اللّه بلسانه ما هو